أحمد مصطفى المراغي
26
تفسير المراغي
أستبقى حسناتي ، فإن اللّه عزّ وجل وصف أقواما فقال : « أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها » . و أخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن ثوبان رضى اللّه عنه قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا سافر كان آخر عهده من أهله بفاطمة ، وأول من يدخل عليه منهم فاطمة رضى اللّه عنها ، فقدم من غزاة فأتاها فإذا بمسح ( بكسر فسكون ، وهو ثوب من شعر غليظ ) على بابها ، ورأى على الحسن والحسين قلبين ( مثنى قلب بضم فسكون : السوار ) من فضة فرجع ولم يدخل عليها ، فلما رأت ذلك ظنت أنه لم يدخل من أجل ما رأى ، فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكيا ، فقسمت ذلك بينهما ، فانطلقا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهما يبكيان ، فأخذ ذلك رسول اللّه منهما ، وقال يا ثوبان اذهب بهذا إلى بنى فلان ( أهل بيت بالمدينة ) واشتر لفاطمة قلادة من عصب ( بفتح فسكون خرز أبيض ) وسوارين من عاج ، فإن هؤلاء أهل بيتي : ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا » . وقد كان السلف الصالح يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل ، لا أن التمتع بزخارف الدنيا مما يمتنع ، بدليل قوله تعالى « قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ » . نعم إن الاحتراز عن التنعم أولى ، لأن النفس إذا اعتادت ذلك وألفته صعب عليها تركه والاكتفاء بما دونه ، وللّه درّ البوصيري إذ يقول : والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على * حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه : أن على المرء أن يأكل ما وجد ، طيبا كان أو قفارا ( الطعام بلا أدم ) ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة ، وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يشبع إذا وجد ، ويصبر إذا عدم ، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها